إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مهم إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

مُساهمة من طرف سلطان الامل في الثلاثاء 13 نوفمبر - 14:02



إفريقيا القارة السمراء، تعيش فوق بحر من الثروات المتعددة في أشكالها المتنوعة في ماهيتها, ورغم ذلك تعد أكثر القارات بؤسًا وفقرًا.. تتناوشها سهام الحروب الأهلية المصطنعة تارة.. وتقع فريسة الاستغلال الغربي تارة أخرى.. وما بين هذا وذاك، يبقى نكد العيش هو النصيب الأوفر لسكان تلك القارة.
وعند الاستغلال الغربي ومشاريعه، التي لم تتخلّ عن النظر إلى القارة، باعتبارها مستعمرة سابقة تزخر بالثروات التي يسيل لها اللعاب, نقف لنقارن ذلك بهذا الطموح العربي الذي يقف إن وجد عند حد النظرة الخيالية التي بقدر رسوخها في أذهان من ينادي بها بقدر ما تفتقر إلى الواقعية والجدية, ما يجعلها تنتمي إلى عالم الأساطير والخيالات لا إلى الواقعية والبرجماتية السياسية حتى في حدها الأدنى.
* إفريقيا.. والخيالات العربية:
حقيقة مرة أن يقف العرب من القارة الإفريقية موقفًا يتسم بنوع من اللامبالاة، وكأنها جزيرة تسكنها الأرواح الشريرة في أقصى بلاد العالم, رغم أنها تشكل بعدًا إستراتيجيًا حيويًا للعديد من الدول العربية.
فمصر تجد بعدها وعمقها الإستراتيجي في أواسط إفريقيا، حيث المنابع الرئيسة لنهر النيل, وكذلك السودان, ورغم ذلك تجد آثار الأقدام "الإسرائيلية" واضحة وبادية على الأراضي الإثيوبية وغيرها, فيما يُندر أن تجد أثرًا أو تأثيرًا للدول العربية المعنية، إلا حينما تثار بين الحين والآخر قضية ندرة المياه.
فبرغم الأهمية الإستراتيجية لهذه القارة للعديد من الدول العربية، حتى لتلك الواقعة جغرافيًا في قارة آسيا, إلا أن التجاهل كان عنوان السياسية العربية تجاه إفريقيا, ولم يبدِ أحد اهتمامًا بالقارة إلا الرئيس الليبي معمر القذافي, الذي انتقل بمشروعه الوحدوي بعدما فشل عربيًا إلى القارة الإفريقية، أملاً أن يجد لهذا المشروع الصدى المناسب, وأدار ظهره للعرب ومشكلاتهم.
وصحيح أن مشروع الوحدة، سواء أكان عربيًا أم إفريقيًا يعبر عن "نية طيبة", وقد يكون في شقه العربي مطلبًا شعبيًا، وتتوافر له الإرادة الشعبية، وله من المقومات ما يجعله قريبًا، مثل وحدة اللغة والدين والتاريخ والتحديات, وما ينقصه إلا عزم الإرادة السياسية المستقلة, إلا أن الأمر جد مختلف إفريقيًا.
فالقارة مقسمة إلى ما يقرب من 53 دولة, وبها العشرات بل المئات من اللغات, وقد تكون في الدولة الواحدة أكثر من لغة, بل وتتعدد اللكنات واللهجات في اللغة الواحدة. إضافة إلى الاختلاف والبون الشاسع في العادات والتقاليد والثقافات والأديان حتى بين أطياف الدولة الواحدة.
ثم العقبة الكئود، تجدها في الانقسام والتناحر ليس بين دول الجوار فحسب, بل تجد المجازر والمذابح التي يذهب ضحيتها الملايين من أبناء الدولة الواحدة, مثلما كان الأمر في رواندا وغيرها من دول القارة.
فالقارة تئن تحت وطأة الاختلاف في كافة أوجه ومظاهر الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية, تلك الاختلافات التي تمتد جذورها إلى عهد الاستعمار الذي حرص على زراعة المشكلات الجغرافية والعرقية في القارة قبل الرحيل؛ ليتسنى له أن يدس أنفه مرات ومرات بدعوى حفظ الأمن والسلام المهددين.
هذا وغيره يجعل من تلك الأماني والرغبات الطيبة التي تعبر فقط عن رغبة جموحة عند زعيم واحد مجرد "خيالات سياسية" مسكونة برغبات شخصية, فيما تجد أن بقية الدول العربية أو غالبها يقف من القارة موقفًا لا يعكس بحال الأهمية البالغة لتلك القارة لحاضر العرب ومستقبلهم المهدد جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعقديًا من أكثر من عدو, ومن أكثر من جهة.
* الولايات المتحدة وعسكرة القارة السمراء:
على عكس تلك الحالة العربية المترهلة الفاقدة للوعي بأهمية القارة حاضرًا ومستقبلاً، نجد الاهتمام الأمريكي المتزايد بالقارة، والذي انعكس على الرغبة في تشكيل قيادة عسكرية تختص بالشأن الإفريقي، بعدما كان الاهتمام بها عسكريًا موزعًا على أكثر من قيادة.
وقد ظهر الاهتمام الأمريكي منذ العام 2002م، واتخذ مظاهر عسكرية بالدرجة الأولى، تمثلت في الآتي:
1ـ إنشاء قاعدة عسكرية في القرن الإفريقي تمركزت في دولة جيبوتي, يعمل بها ما يقرب من 15 ألف جندي أمريكي على أهبة الاستعداد للتدخل العسكري المباشر.
2ـ تقديم مساعدات عسكرية مباشرة لما يعرف بدول الساحل (مالي, موريتانيا, تشاد, النيجر)، انضمت لها ست دول أخرى لمكافحة "الإرهاب".
3ـ الدعم العسكري المباشر لدول حليفة لتقوم بأدوار نيابة عن القوات الأمريكية, خاصة إذا احتاج الأمر لتدخل بري, كما بدا في حالة الصومال والتدخل من قبل إثيوبيا التي يعد جيشها من أقوى الجيوش في المنطقة رغم وضعها الاقتصادي المتدني.
والقيادة العسكرية الخاصة بإفريقيا, كما سبق وأسلفنا, تعكس الاهتمام الأمريكي المتزايد بالقارة, فهي تسعى من خلال تلك القيادة التي ستتوزع على عدة دول, وليست قيادة موحدة في دولة واحدة, إلي ربط القارة برباط حديدي عسكري يضمن في النهاية المصلحة الأمريكية المتمثلة في محورين أساسيين:
المحور الأول: مكافحة "الإرهاب":
فالولايات المتحدة تلحظ في الأنظمة الهشة في غالب الدول الإفريقية ضعفًا في السيطرة على أراضيها وجغرافيتها المترامية الأطراف, وهو ما يعني فراغًا جغرافيًا وسياسيًا، يسمح ـ بحسب الرؤية الأمريكية ـ بوجود وتسلل عناصر مسلحة مناوئة، مثل تنظيم القاعدة وفروعه الأخرى, في تلك الأماكن التي تشكل أرضية خصبة للتدريب والإعداد لشن هجمات تطال الولايات المتحدة ومصالحها.
فالأهداف الكامنة وراء هذه القيادة ـ من الناحية العسكرية ـ نراها تتمثل في ناحيتين:
1ـ الحيلولة دون قيام تنظيمات مسلحة تهدد أو تعرض المصالح الأمريكية في القارة أو خارجها للخطر.
2ـ دعم جيوش الحلفاء وتقويتها، للقيام بالمهام والأدوار المطلوبة بدلاً من التدخل الأمريكي المباشر على غرار النموذج الإثيوبي في الصومال.
المحور الثاني: تأمين مصادر النفط:
فالنفط ما زال باعثًا على الحراك الأمريكي عسكريًا وسياسيًا؛ لأنه يشكل في النهاية عصب الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة.
وتعكس الأهمية الفائقة لهذا المحور عدة عناصر مجتمعة؛ منها الآتي:
1ـ التهديد المتزايد والكلفة العالية سياسيًا لنفط الخليج.. فرغم الآلة العسكرية الأمريكية المرابطة في الخليج إلا أن الاضطراب المزمن لهذه المنطقة، ودخول العامل الإيراني ببرنامجه النووي المثير للجدل، عزّز من المخاوف والتهديدات المرتقبة.
2ـ الاعتماد المطرد على النفط الإفريقي, حيث تشير الدراسات الأمريكية إلى أن الاعتماد على نفط إفريقيا خاصة من نيجيريا سيصل بحلول عام 215م إلى ما يقرب من ربع الاحتياجات الأمريكية.
3ـ التنافس الشرس على الكعكة البترولية بعدما دخل التنين الصيني بقوة وتسلل إلى غالب الدول البترولية مرتبطًا معها باتفاقيات اقتصادية طويلة المدى, رأت فيها الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
هذه إحدى النماذج الغربية التي تفكر جديًا كيف تستفيد من القارة وتؤمّن مصالحها فيها, وتسعى حثيثًا في بلوغ المراد؛ لأنها في البداية تنطلق من رؤية واقعية مخططة أملاً في الوصول إلى مصالح وأهداف محددة وقابلة للتحقق في الوقت ذاته.
* فرنسا ومشروع "الاتحاد المتوسطي":
أثار الرئيس الفرنسي المنتخب حديثًا نيكولا ساركوزي أثناء زيارته الأولى للجزائر وتونس رئيسًا يوم الثلاثاء 1/7/2007م، مشروع الاتحاد المتوسطي، الذي يجمع بلدان المغرب العربي وعدة دول أخرى جنوب المتوسط وشرقه، بحيث يضم تركيا و"إسرائيل" مع الدول الأوروبية المتوسطية الثماني من خلال عدة روابط محددة هي: البيئة والتنمية والأمن والحوار الثقافي, كما صرح ساركوزي نفسه.
وتاريخيًا نجد فكرة الاتحاد المتوسطي ليست في ذهن الرئيس الفرنسي حديثة عهد, فقد سبق في مارس 2005م أن تحدث عنها في زيارته للمغرب, حيث دعا حينها إلى "سوق متوسطية", وفي فبراير الماضي وفي خطاب ألقاه في مدينة طولون جنوب فرنسا، شرح ساركوزي منطلقات الاتحاد وموجباته وشكله واختصاصه وآليات عمله.
يهمنا بالطبع أن نحدد الرؤية الساركوزية لهذا الاتحاد, وموقع دول المغرب العربي, التي تشكل جزءًا من القارة الإفريقية ـ محل اهتمامنا في هذا المقام، فهذا الاتحاد هو برؤية ساركوزي معبر أوروبي لدول إفريقيا, حيث يعلل الحاجة لإقامة الاتحاد المتوسطي بأن "جغرافية العولمة تدفع أوروبا لتصور استراتيجية أوروبية ـ إفريقية يكون المتوسط محورها". فإستراتيجية ساركوزي الخارجية ورؤيته لدول العالم الخارجي، خاصة دول الشمال الإفريقي، نراها تخلت عن الطابع الشخصي الذي غلب على قيادة الرئيس السابق جاك شيراك, وجعلت محلها علاقات تقوم على محورين أساسيين:
أولاً: المصالح الاقتصادية:
ففي نظرة برجماتية خالية من أية رتوش نجده في زيارته تلك التي أشرنا إليها يحدد البعد الاقتصادي، بقوله: "نحن بحاجة إلى تأمين سلامة إمدادنا بالغاز مستقبلاً بقدر ما تحتاج الجزائر إلى الاعتماد على الوصول الموثوق والمضمون إلى السوق الفرنسية، وأبعد منه إلى السوق الأوروبية".
فالرئيس الفرنسي حرصه على تعزيز التعاون مع الجزائر في مجال الغاز، يأتي انطلاقًا من كون بلاده بحاجة إلى ضمان الإمدادات بهذه المادة الحيوية على المدى البعيد بالنظر إلى احتياطي الجزائر الضخم من الغاز.
ثانيًا: التنسيق الأمني:
في الجانب الأمني، قال ساركوزي في حوار نشرته صحيفة "الخبر" الجزائرية: إن اتصالات جرت بين بلدان مغاربية وشركات إنتاج السلاح الفرنسية، بغرض عقد صفقات بخصوص تجهيزات عسكرية حديثة تخص سلاح الجو والبحر والبر... وفيما يخص التعاون العسكري مع الجزائر، فأنا مستعد للذهاب إلى أبعد مما هو قائم؛ لأنني عازم على مواكبة الجزائر في جهودها الرامية إلى الوصول بقواتها المسلحة إلى مزيد من الاحتراف والتحديث، وأن أقف إلى جانبها في مواجهة رهانات الأمن في المتوسط، والتحدي الذي تمثله مكافحة الإرهاب".
هذه رؤية أخرى غربية حيال بعض دول القارة الشمالية, وبغض النظر عن العقبات التي تنتظرها, فهي محددة الأهداف والمعالم والرؤية والآليات, وهي قد أشعلت بعد الفتيل للوصول إلى مرادها ومبتغاها.
القارة الإفريقية برغم إشكالاتها ومشاكلها، إلا أنها تشكل بعدا إستراتيجيًا مهمًا، فطن له الغرب وشحذ همته لتحقيق مصالحه المتنوعة فيها, وقد انطلق من رؤية واضحة وأهداف مرسومة, وسعى بفاعلية عالية للوصول إلى ما يريد, فيما تجمد الموقف العربي عند رؤية حدية، لا ترى في القارة إلا تنفيسًا عن رغبة في شيء متحد وفقط.



منقوول
avatar
سلطان الامل
الادارة
الادارة

عدد الرسائل : 189
تاريخ التسجيل : 10/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مهم رد: إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

مُساهمة من طرف بسمه في الأربعاء 14 نوفمبر - 7:57

مشكور كتير اخي الفاضل سلطان الامل على الموضوع الاكثر من رائع
و جميعا نتمنى ان تزدهر قارتنا يا رب لانها كما دكرت تتمتع بجل الوسائل التي قد تساهم في ذلك

احترامي و تقديري

بسمه
avatar
بسمه
الادارة
الادارة

انثى
عدد الرسائل : 124
تاريخ التسجيل : 28/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bassma.keuf.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مهم رد: إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

مُساهمة من طرف سلطان الامل في الأربعاء 14 نوفمبر - 11:28

اهلا بك اختي بسمه... نورتينا بمرورك
avatar
سلطان الامل
الادارة
الادارة

عدد الرسائل : 189
تاريخ التسجيل : 10/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مهم رد: إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

مُساهمة من طرف سحابة امل في الأربعاء 21 نوفمبر - 3:44

نعم اخي سلطان
فقارة افريقيا تتميز عن باقي القارات بموقعها الاستراتيجي الممتاز ..
و الى الامام ان شاء الله... طرح جميل كما اعتدنا منك اخي الكريم
تقديري و احترامي لك
اختكم/سحابة امل
avatar
سحابة امل
عضو جديد
عضو جديد

انثى
عدد الرسائل : 16
المغرب : MAROC
تاريخ التسجيل : 19/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مهم رد: إفريقيا.. بحر الخيالات العربية وصراع الرغبات الغربية

مُساهمة من طرف سلطان الامل في الأربعاء 21 نوفمبر - 4:25

اهلا بك اختي سحابة امل

_________________
avatar
سلطان الامل
الادارة
الادارة

عدد الرسائل : 189
تاريخ التسجيل : 10/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى